الشيخ فاضل اللنكراني
25
مدخل التفسير
كما هو معنى الامكان ، فترجيح أحد الامرين لا يمكن الّا بعد وجود مرجح في البين ، يكون ذلك المرجح خارجا عن ذات الممكن وماهيّته ، وذلك المرجح انّما هي العلّة التي تؤثر في أحد الطرفين ، وتخرج الممكن عن حدّ التساوي . وحينئذ يقال في المقام : ان المعجزة كما انها خارقة للعادة الطبيعية كذلك خارمة لهذه القاعدة العقلية المشتهرة بقانون العلية والمعلولية ، وموجبة لوقوع التخصيص فيها ، وحيث انّها غير قابلة للتخصيص فلا محيص عن انكارها كلّا ونفيها رأسا . والجواب : اوّلا : ان ما تقتضيه القاعدة المسلّمة انّما هو مجرد افتقار الممكن إلى العلّة المرجّحة ، وامّا ان تلك العلّة لا بد وأن تكون طبيعيّة ماديّة فهو امر خارج عن مقتضي تلك القاعدة ، والقائلون بثبوت الاعجاز لا ينكرون القاعدة أصلا ، بل غرضهم ان العلّة المرجحة امر خارج عن ادراك البشر وقدرته ، فالمعجزة لا تنافي القاعدة أصلا ، وبعبارة أخرى تكون العلّة امرا غير طبيعي مرتبطا بالقدرة الكاملة الالهيّة غير المحدودة . وثانيا : قد عرفت انّه لا مانع من الالتزام بثبوت العلّة الطبيعيّة في باب المعجزة ، وخرق العادة انّما هو بلحاظ الغاء التدريج والتدرج ، وفي الحقيقة خروجها عن حدود القدرة البشريّة انّما هو بلحاظ هذا الالغاء بحسب الزمان ، لا بلحاظ قطعها عن الارتباط بالعلّة الطبيعية - كما عرفت في مثال جعل الشجر اليابس خضرا - فتدبّر جيّدا . ثم إنه ربما يستدلّ ببعض الآيات القرآنية على أنه لا يلزم على النّبي الاتيان بالمعجزة وترتيب الأثر على قول من يطلبها ، وهي قوله تعالى في سورة بني إسرائيل : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . . قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا » فإنها ظاهرة في أنه بعد تعليقهم الايمان على الاتيان بالمعجز